عبد الملك الجويني
15
نهاية المطلب في دراية المذهب
والثاني - ردها من الجانبين . والثالث - قبول شهادة الزوج لزوجته ورد شهادتها لزوجها ، والفاصل أنها تستحق النفقة عليه ، وهو لا يستحقها عليها ، ولا شك أن هذا التردد في شهادة أحدهما للثاني ، فأما شهادته عليه ، فمقبولة إذا لم تكن عداوة ، وكذلك شهادة الولد والوالد مقبولة من كل واحد منهما على صاحبه . وذكر العراقيون وصاحب التقريب اختلافاً في مسألةٍ وهي إذا شهد الابن على أبيه بما يوجب عليه عقوبة ، فالذي ذهب إليه الأكثرون القبول ، وهو جارٍ على القياس ولا تهمة . ويُحكَى عن بعض الأصحاب ردُّ شهادة الابن على أبيه فيما يوجب عقوبة ، فإنها لو قبلت ، لكان الابن سبباً في وجوب العقوبة على الأب ، وهذا ممتنع ، لأن الأب لا يستوجب القصاصَ وحدَّ القذف بالجناية على ابنه وقذفه ، وهذا كلام ركيك ، لا أصل له ؛ فإن العقوبة التي تجب بشهادة الابن ليست واجبة له ، وهذا هو الممتنع . هذه مسائل ذكرها الأصحاب في رد الشهادة بالتهمة . 12129 - وقد حان الآن أن نذكر في ذلك ضبطاً معنوياً ، فنقول : ما يقتضيه قياس أصول الشريعة ألا ترد الشهادة من عدل لتخيّل تهمة ؛ فإنه لا يُظَنُّ بمن ظهرت عدالته الميلُ إلى مظانّ التهم ، ومن لا يُعدّلُه دينُه في مزالّ القدم ومواطن التهم فليس عدلاً ، والاعتدال افتعال من العدالة ، ومن يُزيغه طلبُ حظه ، فحقه أن ترد شهادته على العموم ، ولكن الذي [ تمهّد ] ( 1 ) في أصل الشرع أن الإنسان لا يثبت حق نفسه بقولٍ يصدر منه ، وإن كان أعدل العدول ، وليس رد ذلك للتهمة أيضاً ؛ فإن الذي هو أعدل البرية ويهون في حقه بذلُ الآلاف في اقتناء المكرمات ، وجلب الخيرات ، إذا ادّعى درهماً ، فيغلب على القلب صدقه ، وتنتفي التهمة ، ولكنَّ وضْعَ الشرع على أن الإنسان لا يُثبت بنفسه لنفسه حقاً ، فإذا تضمَّنت شهادته جرّاً في مسألة جرح الموروث ، فهي مردودة لا للتهمة ، ولكن لأنه يشهد بجُرح هو مستحق أرشه .
--> ( 1 ) في الأصل : " نُمهّد " ( بهذا الضبط ) .